66
اختلفت القصص في شأن موتها، إذ كتب تاسيتوس Tacitus أن بوديكا سممت نفسها وتوفيت بالانتحار كي لا يأخذها الرومان على قيد الحياة؛ في حين ذكر ديو Dio أنها مرضت وماتت بعد ذلك بوقت قصير، وتمّ دفنها بشكل فخم. ولكن، في الواقع، ما زال مكان المعركة النهائية غير دقيق، وموضوع وفاة بوديكا غير دقيق.
إمبراطورة لن يُكررها التاريخ… ثائرة ومناضلة أرعبت الرومان… اعتُبرت من أبرز الشخصيات التي ظهرت في تاريخ الأمة البريطانية وذلك حتى قبل نشوء الإمبراطورية البريطانية والدولة البريطانية الحديثة …
اعتُبرت من مؤسسي المملكة البريطانية الحديثة على الرغم من أنها سبقت التأسيس بمئات السنين.
اسمها يعني “المنتصرة”، سجلها التاريخ كرمز للفخر والشهامة والقوة والبطولة والغضب وبطش الأعداء بلا رحمة…
إنها الملكة Boudicca من قبيلة ايسيني “الكلتية” البريطانية… قبيلة من عرقية بريطونيون كلتيون التي كانت تستوطن شرق بريطانيا، ما بين العصر الحديدي وأوائل العصر الروماني.
كانت بوديكا زوجة براسوتاجوس Prasutagus، ملك إيسيني، وهي قبيلة سكنت ما يعرف الآن بمقاطعة نورفولك Norfolk الإنجليزية وأجزاء من المقاطعات المجاورة كامبريدجشير Cambridgeshire وسوفولك Suffolk ولينكولنشاي Lincolnshire، وكانت عاصمتهم فينتا إيسينوروم Venta Icenorum واسمها في الوقت الحاضر سانت إدموند. St Edmund
وُلدت بوديكا حوالي عام 30 بعد الميلاد وتزوجت من الملك براسوتاجوس من قبيلة إيسيني في عامي 48 و49 بعد الميلاد، وأنجبت منه طفلتين.
“كانت طويلة جدًا وكان مظهرها مرعبًا، إذ كانت عيناها تلمعان بشدة وكان صوتها قاسيًا. كانت كتلةً من الشعر الأحمر تتساقط حتى وركيها، وحول عنقها قلادة ذهبية ملتوية”، وفقًا لما كتبه بعد 150 عامًا المؤرخ الروماني، كاسيوس ديو Cassius Dio.
في ذلك الوقت، كانت بريطانيا دولة قبلية، وكان زعيمها براسوتاجوس Prasutagus، الذي عُرف بأنه كان عمليًا في تعاملاته مع الرومان، قامعًا التمرد ضدهم. إذ ثار ضد الرومان في عام 47 عندما خطط الحاكم الروماني بوبليوس أوستوريوس سكابولا Publius Ostorius Scapula لنزع سلاح كلّ شعوب بريطانيا الخاضعة للسيطرة الرومانية. سمح الرومان للمملكة بالاحتفاظ باستقلالها بمجرد قمع الانتفاضة؛ وترك الرومان حينذاك قبيلة الإيسيني وشأنها إلى حد ما، خلال فترة حكمه وهو على قيد الحياة.
بعد وفاته في عام 60 بعد الميلاد، كان براسوتاغوس Prasutagus قد حاول أن يتجنب أي نتائج محتملة لهذا اليوم، فكتب وصية ترك من خلالها مملكته لزوجته ولابنتيه، وذلك بالاشتراك مع الإمبراطور الروماني نيرون. كان يَعتقد أنّ هذه الوصية من شأنها أن تمنح أرملته بوديكا وطفلتيهما نصف ممتلكاته، والعيش بسلام.
ولكن، ما لم يكن يتوقعه، هو نكس الرومان لوصيته. إذ بناءً على أوامر الإمبراطور نيرون، استولى الوكيل الإمبراطوري على كل ممتلكات براسوتاغوس وأعلن عن أنّ أي مقاومة ستُعامل كعمل من أعمال التمرد.
كيف لا تُفسخ وصية الامبراطور “الايسيني” وفي وجهه طاغية هو نيرون الذي كان أسوء امبراطورًا على الإطلاق… خامس وآخر أباطرة الروم من السلالة اليوليوكلودية، وصل إلى العرش لأنه كان ابن كلوديوس بالتبني، امتدت اغتيالاته في بحور دماء أراقها بوحشية فظيعة غير آبه بأحد؛ قتل أمه “أغربينيا”، وزوجته “أوكتافيا”، عشيقته “بوبيه” وابنها الذي أمر بإغراقه، وصولا إلى أقرب المقربين منه وقائد جيشه الأمين “بوروس”، معلمه “سينيك”، ثم قتل أصدقاءه وأقاربه وضباطه. أما أشهر جرائمه على الإطلاق كان حريق روما الشهير سنة 64 م حيث راوده خياله بأن يعيد بناء روما، وبدأت النيران من القاعدة الخشبية للسيرك الكبير حيث شب فيه النيران وانتشرت بشدة لمدة أسبوع في أنحاء روما، والتهمت النيران عشرة أحياء واحترقت الأجساد وسط صراخ الضحايا…
كتب المؤرخ كاسيوس ديو Cassius Dio أنه تمت مصادرة التبرعات الإمبراطورية السابقة للبريطانيين ذوي النفوذ، وقام الممول والفيلسوف الروماني سينيكا Seneca بطلب القروض التي فرضها على البريطانيين المترددين.
عندما عرضت بوديكا الأمر على سلطة رومانية أعلى، وفقًا للمؤرخ الروماني تاسيتوس Tacitus، جُردت علنًا من ثيابها وجُلدت بوحشية واغتصبت بناتها. تلك المعاملة التي تلقتها بوديكا وبناتها، إضافة إلى إهانة شعبها وطرده واستبعاده بالقوة، كان كفيلا بأن يحوّل قبيلة “إيسيني” إلى متمردين.
ولكن، من جهة أخرى، لم يتم ذكر هذه الانتهاكات في رواية ديو Dio، الذي ذكر بدلًا من ذلك ثلاثة أسباب مختلفة للتمرد؛ وهي سحب القروض التي منحها سينيكا للبريطانيين، مصادرة ديسيانوس كاتوس Decianus Catusللأموال التي أقرضها الإمبراطور كلوديوس Claudius سابقًا للبريطانيين، وتوسلات بوديكا الخاصة، معتقدة أن القروض قد تمّ تسديدها عن طريق تبادل الهدايا.
استطاعت بوديكا جذب الدعم من قبائل أخرى، معيدةً إشعال السخط البريطاني على الحكم الروماني. ويُقال إن بوديكا وبناتها كنّ يتجولن بعربتها قبل المعركة، لتحث القبائل على التحلي بالشجاعة. كانت تؤكد أنها على الرغم من انحدارها من عائلة ملكية رجالها أقوياء، إلا أنّها تقاتل كأي شخصٍ عادي من أجل حريتها المفقودة، وجسدها المجروح وبناتها الغاضبات.
كانت تُشجع الرجال للوقوف في صفها، طالبة منهم الاختيار بين حالتين، “إما الفوز بالمعركة أو الموت”، جازمة بقولها:”هذا ما سأفعله أنا، كمرأة؛ أما أنتم الرجال، فيمكنكم أن تعيشوا في العبودية إذا كان هذا ما تريدونه”…
هذا وقد منحها ديو Dio خطابًا لشعبها وحلفائه لتذكرهم فيه أن الحياة كانت أفضل بكثير قبل الاحتلال الروماني، مشددة على أنه لا يمكن التمتع بالثروة في ظل العبودية مُلقية اللوم على نفسها لعدم طرد الرومان كما فعلوا عندما غزا يوليوس قيصر Julius Caesar.
في عام 60-61 م، قادت بوديكا انتفاضة ضد الإمبراطورية الرومانية… دمرت وأحرقت بالكامل قبيلة “ايسيني” ومعها قبائل بريطانية أخرى، مقاطعة كامولودونوم Camulodunum – كولشيستر Colchesterحاليًا، التي كانت في وقت سابق عاصمة Trinovantes، ولكن في ذلك الوقت كانت مستعمرة للجنود الرومان المسرحين.
ثم ساروا إلى لندينيوم Londinium- لندن حاليًا. عند سماعه بالثورة، سارع الحاكم الروماني جايوس سوتونيوس باولينوس Gaius Suetonius Paulinus من جزيرة مونا Mona (أنجلسي Anglese حاليًا) إلى لندينيوم Londinium، المستوطنة التجارية التي يبلغ عمرها 20 عامًا والتي كانت الهدف التالي للمتمردين. وبسبب عدم قدرته على الدفاع عن المستوطنة، قام بإخلائها وتركها، بعد أن استطاعت الثورة نهبها وتدميرها.
استطاع جيش بوديكا هزم مفرزة من الفيلق التاسع هيسبانا Legio IX Hispana، وأحرق كلاً من لندينيوم Londinium واتجهوا شمالًا إلى فيرولاميوم Verulamium(سانت ألبانز حاليًا، هيرتفوردشاير St Albans in Hertfordshire)، حيث ألحقوا بها أضرارًا كبيرة.
وفقًا لديو وDio وتاسيتوس Tacitus، قُتل ما يقدر بنحو 70.000-80.000 روماني وبريطاني على يد أتباع بوديكا.
وبحسب لتاسيتوس Tacitus، لم يكن لدى البريطانيين أي مصلحة في أخذ السكان الرومان كسجناء، وإنما فقط القبض عليها من أجل ذبحهم “بالمشنقة أو النار أو صلبهم.
استمرت الثورة، لفترة من الوقت. ولكن في النهاية نفد حظ “إيسيني”. أعاد سوتونيوس Suetonius تجميع قواته، فحشد جيشًا قوامه ما يقرب من 10000 رجلًا في مكان غير معروف.
وفقًا لديو، استخدم الرومان التضاريس لصالحهم، إذ على الرغم من أنّ عدد الجيش الروماني كان أقل بكثير، بحيث بلغ عدد المتمردين 230.000، إلا أنّ جيش بوديكا تمّ سحقه. وبحسب تاسيتوس، لم يتم إنقاذ لا النساء ولا الحيوانات.
اختلفت القصص في شأن موتها، إذ كتب تاسيتوس Tacitus أن بوديكا سممت نفسها وتوفيت بالانتحار كي لا يأخذها الرومان على قيد الحياة؛ في حين ذكر ديو Dio أنها مرضت وماتت بعد ذلك بوقت قصير، وتمّ دفنها بشكل فخم. ولكن، في الواقع، ما زال مكان المعركة النهائية غير دقيق، وموضوع وفاة بوديكا غير دقيق.
دفعت أزمة 60-61 م، نيرون إلى التفكير في سحب كلّ قواته الإمبراطورية من بريطانيا، ولكن بانتصار سوتونيوس Suetonius على بوديكا تمّ تأكيد السيطرة الرومانية على المقاطعة.

كان الاهتمام ببوديكا محدودًا حتى القرن التاسع عشر، ولكن، تجدد الاهتمام بهذه الأحداث في عصر النهضة الإنجليزية، ما أدى إلى شهرة بوديكا في العصر الفيكتوري كرمز ثقافي في بريطانيا.